السيد محمد الصدر
55
ما وراء الفقه
إلا أن للمناقشة على الاستدلال بهذه الرواية مجالا واسعا لعدة وجوه نذكر منها ما يلي : المناقشة الأولى : أنها غير تامة سندا بأبي البختري ، واسمه وهب بن وهب ، يوصف بأنه ضعيف وأنه كذاب ، فروايته أيا كانت ساقطة عن الحجية . المناقشة الثانية : إن هذه الرواية محتوية على جملة لا يحتمل صحتها بحسب الظاهر وهي قوله : إن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا . فإن النظر تارة يكون إلى ورثتهم وأخرى إلى ممتلكاتهم التي تذهب ميراثا بعد الوفاة . فإن نظرنا إلى ورثتهم ، فإن الورثة هم أولاد الفرد وذووه وليس هم الآخرين ، فإن كان المقصود به القرابة : فأكثر الأنبياء من ذوي القرابة . وإن كان مقصود بهم الآخرين لقوله : العلماء ورثة الأنبياء . فهؤلاء لا يحتمل فيهم الميراث لا شرعا ولا عقلائيا حتى يحتاج الأمر إلى التصدي لنفيه وإن كان المراد الميراث المجازي ، فهذا لا يحصل في الدينار والدرهم حتى يحتاج الأمر إلى التصدي لنفيه أيضا . وإن نظرنا إلى الممتلكات التي تذهب ميراثا فلا يخلو الأمر : إما أن يكون المراد من الدرهم والدينار نفس النقود وإما أن يراد الأموال التي تباع بالنقود كالعقار والثياب وغيرها . ولعل هذا هو الأظهر . فإذا كان الثاني ، فكل الأنبياء على الإطلاق ماتوا عن تركة ذات مالية ولو قليلا ، ولا أقل من ثيابهم التي كانوا يلبسونها ، وإذا كان المراد الأول فلا شك أنه غير شامل لكل الأنبياء جزما ، وإن صدق لبعضهم فهو اما لعدم وجود الدينار والدرهم لديهم شخصيا ، لا لعدم إمكان الإرث ، كما هو ظاهر السياق ، وإما لعدم وجودها أساسا بين الناس . فإن الناس في القديم كان أسلوب البيع عندهم بالمقايضة لا بالدراهم والدنانير . أو أن النقود السائرة عندهم غير مسماة بهذه الأسماء أو غير مصنوعة من الذهب والفضة .